أكد اليوم الاثنين 11 ماي 2026، السّيد عز الدين بن الشيخ، وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، في كلمة ألقاها خلال ملتقى علمي واقتصادي حول التثمين المالي للمنتوجات الفلاحية، أنّ تونس أصبحت اليوم مدعوّة إلى اعتماد مقاربات مالية مبتكرة قادرة على تحرير الإمكانات الاقتصادية للقطاع الفلاحي وتعزيز جاذبية الاستثمار، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية العالمية والتحديات المناخية والمالية الراهنة.
وأشار السيد الوزير إلى أنّ مثل هذه الندوات تمثل فضاءً هامًا لتبادل الأفكار والخبرات بين الجامعيين والخبراء والمتدخلين الماليين والمهنيين، بما يساهم في بلورة حلول جديدة تتجاوز الآليات التقليدية للتمويل والتثمين، وتفتح آفاقًا أوسع أمام الاقتصاد الوطني.
وبيّن أنّ القطاع الفلاحي التونسي شهد خلال العقود الأخيرة تطورًا هامًا على مستوى المنظومات الإنتاجية، من خلال تنوع المنتجات الفلاحية وتحسن عرضها واستجابتها المتزايدة لمتطلبات السوق الداخلية والتصدير، رغم ما يواجهه القطاع من تحديات مرتبطة بالتغيرات المناخية والتقلبات الاقتصادية والتوترات الإقليمية والدولية.
وأوضح السيد الوزير أنّ القطاع الفلاحي يمثل ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، إذ يساهم بحوالي 10% من الناتج المحلي الإجمالي و13% من قيمة الصادرات، إضافة إلى دوره الاجتماعي باعتباره يوفر نحو 14% من مواطن الشغل، ويمثل المورد الأساسي لأكثر من 70% من سكان المناطق الريفية.
وفي هذا السياق، شدّد على الأهمية الاستراتيجية لمنظومة زيت الزيتون باعتبارها إحدى أبرز نقاط القوة في الفلاحة التونسية، حيث تتجاوز مساحة غابات الزيتون مليوني هكتار، أي أكثر من 40% من الأراضي الفلاحية، مما جعل تونس تحتل المرتبة الثانية عالميًا في إنتاج زيت الزيتون بعد إسبانيا، بمعدل إنتاج سنوي يقارب 300 ألف طن.
كما أبرز السيد الوزير تطور قدرات التحويل والخزن، إذ تبلغ الطاقة الوطنية للتحويل حوالي 60 ألف طن يوميًا تؤمنها قرابة 1600 معصرة، منها نسبة هامة من المعاصر البيولوجية، في حين تفوق طاقة الخزن 500 ألف طن. وعلى مستوى التصدير، بلغت الكميات المصدرة خلال السنوات الأخيرة معدل 250 ألف طن سنويًا بعائدات تجاوزت 3 مليارات دينار، ما مكّن تونس من تعزيز مكانتها العالمية في هذا المجال.
ولم يغفل الوزير البعد الحضاري والبيئي لشجرة الزيتون، مؤكدًا أنها تمثل رمزًا ثقافيًا وحضاريًا لتونس، إلى جانب مساهمتها في الحد من الانبعاثات الكربونية وحماية التربة ومقاومة الانجراف، فضلًا عن توفيرها لأكثر من 50 مليون يوم عمل سنويًا.
وفي المقابل، أشار إلى أنّ القطاع يواجه تحديات حقيقية تتعلق أساسًا بالتثمين المالي وضعف آليات التمويل والتأمين، وهو ما يجعل الفلاحين عرضة لتقلبات الأسعار العالمية، خاصة خلال فترات ذروة الإنتاج حين يضطرون إلى بيع منتجاتهم بأسعار منخفضة بسبب الحاجة إلى السيولة وضعف إمكانيات التخزين.
وأكد أنّ محدودية التمويل والتأمين تعيق الاستثمار في الميكنة والتخزين والتحويل والتصدير، وتحرم تونس من تحقيق القيمة المضافة الحقيقية لمنتجاتها الفلاحية رغم ما تمتلكه من ميزات تفاضلية.
وأضاف السيد الوزير أنّ العديد من البلدان المنافسة سبقت تونس في اعتماد آليات مالية حديثة، من بينها العقود الآجلة للمنتجات الفلاحية، وخاصة زيت الزيتون، والتي تُتداول اليوم في البورصات العالمية، مما ساهم في الحد من تأثير تقلبات الأسعار وجذب استثمارات كبرى وفّرَت سيولة مالية هامة لفائدة الفلاحين والمتدخلين في القطاع.
وختم السيد الوزير بالتأكيد على أنّ المرحلة القادمة تستوجب العمل على تطوير أدوات التثمين المالي للمنتوجات الفلاحية، وتعزيز الشراكة بين القطاعين المالي والفلاحي، بما يمكن من بناء منظومة أكثر قدرة على خلق الثروة وتحقيق التنمية المستدامة ودعم الأمن الغذائي والسيادة الاقتصادية لتونس.
وقد حضر هذه التظاهرة كل من السيدة مديرة المدرسة العليا للتجارة، والسادة عميد كلية العلوم الاقتصادية بتونس، والمدير العام لبورصة تونس، ومدير مخبر المخاطر المالية بالمدرسة العليا للتجارة، والرئيس المدير العام للبنك الوطني الفلاحي.




